دفعت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي إلى قفزة حادة بلغت ذروتها عند 34%، مع تصاعد الغموض بشأن مدة توقف الصادرات من أكبر منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم بقطر، وما قد يترتب على ذلك من اضطراب واسع في إمدادات الطاقة العالمية.

جاء هذا الارتفاع بعد يوم واحد فقط من موجة صعود قوية، ما يعكس حالة ذعر حقيقية في الأسواق، خاصة مع دخول الصين، أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال عالميًا، على خط الأزمة مطالبة جميع الأطراف بضمان المرور الآمن للسفن عبر مضيق هرمز.

وفي هذا السياق، كشفت تقارير أن بكين تمارس ضغوطًا مباشرة على مسؤولين إيرانيين لتفادي أي إجراءات قد تعرقل صادرات الغاز القطري، إدراكًا منها لحجم التأثير الذي قد يطال سلاسل الإمداد العالمية إذا طال أمد الإغلاق.

 

منشأة تمثل خُمس العالم تتوقف

أوقفت منشأة قطر إنرجي، التي توفر نحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، عملياتها بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية، وهو تطور غير مسبوق من حيث حجمه وتأثيره المحتمل على السوق.

وقبل هذا التوقف الرسمي، كانت الحرب المتسعة في المنطقة قد أدت فعليًا إلى شلل شبه كامل في مضيق هرمز، وهو الممر الحيوي الذي تعتمد عليه قطر لتصدير إنتاجها إلى الأسواق العالمية، ما زاد من حدة القلق.

نتيجة لذلك، قفزت أسعار الغاز الأوروبية بنحو 70% منذ إغلاق جلسة الجمعة، في تقلبات لم تشهدها الأسواق منذ أزمة الطاقة الكبرى في 2022، وهو ما يعكس حجم الصدمة الهيكلية التي تواجهها القارة.

أوروبا بين نهاية الشتاء وموسم التخزين

تدخل أوروبا المرحلة الأخيرة من الشتاء في وقت تعاني فيه مخزوناتها من مستويات منخفضة نسبيًا، وهو ما يضعها في موقع هش قبيل بدء موسم إعادة ملء الخزانات استعدادًا للشتاء المقبل.

وفي ظل احتمالات اشتداد المنافسة مع آسيا على شحنات الغاز الطبيعي المسال، اتسعت الفجوة السعرية بين عقود الصيف والشتاء، حيث تحولت عقود الصيف إلى علاوة مرتفعة مقارنة بعقود الشتاء اللاحق.

هذا التحول يجعل تخزين الغاز غير مجدٍ اقتصاديًا بالنسبة للمتداولين، إذ يفقد الحافز المالي المعتاد لتخزين الوقود وبيعه لاحقًا بأسعار أعلى وهو ما يزيد الضغوط على أمن الإمدادات الأوروبية.

تقلبات حادة وسوق في حالة ترقب

يتوقع محللون استمرار التقلبات القوية خلال الأيام المقبلة مع قيام الشركات والمتداولين بإعادة تقييم محافظ الإمداد الخاصة بهم في ضوء فقدان إنتاج قطري بهذا الحجم.

ويرجح أن يكون المشترون في منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأكثر اندفاعًا نحو الشراء الفوري في المدى القصير، وهو ما قد يدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع.

في الوقت ذاته، بدأ المتداولون يطرحون تساؤلات حول مدى الضرر الفعلي الذي لحق بالمنشأة القطرية، نظرًا لأن هذا التوقف يُعد من أكبر الانقطاعات غير المخطط لها في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال.

مدة الصراع العامل الحاسم

يبقى السؤال الجوهري في السوق هو مدة استمرار القتال، إذ تعتمد مسارات الأسعار بشكل كبير على سرعة احتواء الصراع أو اتساعه، خاصة مع صدور رسائل أمريكية متباينة بشأن أفق العمليات العسكرية.

ومع تصاعد المخاوف، سارعت دول مثل تايوان وكوريا الجنوبية إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين إمدادات الغاز اللازمة لتوليد الكهرباء، في مؤشر مبكر على بدء سباق عالمي على الشحنات المتاحة.

في المقابل، أكدت مصادر في السوق أن الصين تضغط بقوة لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا، إدراكًا منها أن أي إغلاق طويل سيؤدي إلى اضطراب أوسع يتجاوز حدود المنطقة.

توقعات بارتفاع إضافي وتحذيرات من عودة أزمة الإمدادات

رفعت مؤسسة جولدمان ساكس توقعاتها لأسعار الغاز الأوروبي في أبريل 2026 إلى 55 يورو لكل ميغاواط ساعة مقارنة بتقدير سابق عند 36 يورو، ما يعكس إعادة تسعير شاملة للمخاطر.

ونظرًا لأن معظم صادرات الغاز القطري تتجه إلى آسيا، يتوقع محللون أن ترتفع الأسعار الفورية في الأسواق الآسيوية بوتيرة أسرع نسبيًا من أوروبا، وهو ما قد يعمّق التنافس العالمي على الإمدادات.

امتدت المخاوف كذلك إلى سوق عقود الخيارات، حيث ارتفعت التقلبات الضمنية إلى أعلى مستوياتها منذ صيف 2023، في إشارة إلى أن المستثمرين يتهيأون لمزيد من الاضطراب.

في المحصلة، تعود قضية أمن الإمدادات إلى صدارة المشهد الأوروبي، ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشأة تمثل خُمس السوق العالمي، تبدو أوروبا أمام اختبار جديد قد يعيد إلى الأذهان أجواء أزمة الطاقة في 2022، لكن هذه المرة في بيئة جيوسياسية أكثر تعقيدًا وتشابكًا.