يشهد سوق السندات المحلية في الصين صعودًا متسارعًا مدعومًا بسيولة وفيرة واستقرار نسبي في العملة، وهو ما يجعله مصدرًا جذابًا للتمويل بالنسبة للدول النامية، وفقًا لرؤية بنك التنمية الجديد التابع لتجمع بريكس.

وأوضح تشونغشيا جين، المدير العام لإدارة الخزانة والمحافظ الاستثمارية في البنك، أن انخفاض تكاليف الاقتراض جعل السوق الصينية واحدة من أكثر مصادر التمويل كفاءة على مستوى العالم، مؤكدًا أن هذا السوق لم يعد مجرد خيار منخفض التكلفة، بل يتجه ليصبح ركيزة أساسية في مستقبل التمويل العالمي بالعملات المحلية.

وأشار إلى أن التمويل المقوم باليوان يوفر وسيلة تحوط طبيعية للمشروعات التي تعتمد على العملات المحلية، خاصة في دول الجنوب العالمي مثل الهند وإندونيسيا والفلبين، إضافة إلى البرازيل ومناطق أخرى في أمريكا اللاتينية، وهو ما يجعله مناسبًا بشكل خاص لمشروعات التحول الأخضر.

صعود اليوان كعملة تمويل عالمية

تتوافق هذه الرؤية مع توجهات بكين لتعزيز دور اليوان كعملة تمويل دولية، وهو ما يعكس وجود مساحة واسعة لنمو الإصدارات وزيادة السيولة داخل سوق السندات الصينية لصالح الجهات الأجنبية.

وأكد جين أن سوق السندات في الصين لم يعد مجرد فئة أصول بديلة، بل يتحول تدريجيًا إلى أحد الأعمدة الرئيسية للنظام المالي العالمي، مستندًا إلى انخفاض تكاليف التمويل واستقرار العملة مقارنة بالعديد من العملات الأخرى.

وتعكس هذه التحولات بداية تغير هيكلي في موازين القوة المالية العالمية، حيث لم يعد الدولار الخيار الوحيد للتمويل، بل أصبح اليوان منافسًا حقيقيًا مع اتساع نطاق استخدامه عبر الحدود.

توسع الإصدارات وتكريس النفوذ المالي

أظهر بنك التنمية الجديد هذا التحول عمليًا، حيث أصدر سندات مقومة باليوان بقيمة إجمالية بلغت 25 مليار يوان، أي نحو 3.6 مليار دولار، خلال العام الماضي، وهو أكبر إصدار سنوي منذ دخوله هذا السوق في 2016.

كما قام البنك في أحدث إصداراته بتمديد آجال استحقاق سندات الباندا إلى 10 سنوات لأول مرة، في خطوة تعكس سعيه للحصول على تمويل طويل الأجل وتعزيز الثقة في السوق الصينية.

ويضم بنك التنمية الجديد في عضويته دول بريكس، وهي البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، ما يمنحه ثقلًا مؤسسيًا يعزز من انتشار التمويل المقوم باليوان عالميًا.

تحولات جيوسياسية تدعم اليوان

في سياق متصل، تعكس التطورات في منطقة الخليج كيف يمكن أن تمتد هذه التحولات المالية إلى التجارة والطاقة، حيث تلقت شركة تشغيل ناقلة نفط عالقة في الخليج العربي عرضًا يسمح لها بالمرور الآمن عبر مضيق هرمز تحت مرافقة البحرية الإيرانية، مقابل تغيير تسجيل السفينة ورفع علم باكستان.

ورغم أن الشركة لم تتمكن من قبول العرض، فإن هذه الخطوة تعكس محاولات لإعادة تشكيل قواعد الملاحة والتجارة في المنطقة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.

كما وافقت إيران على مرور 20 سفينة باكستانية عبر المضيق، في وقت بدأت فيه إسلام آباد التواصل مع كبار تجار السلع عالميًا للبحث عن سفن يمكنها الإبحار تحت العلم الباكستاني مؤقتًا لتسهيل العبور.

اليوان يدخل قلب تجارة الطاقة

تظهر هذه الترتيبات أن الحرس الثوري الإيراني بات يفرض سيطرة كبيرة على حركة الشحن في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا، حيث يتم فرض رسوم على السفن وتقديم امتيازات للدول التي تُعتبر صديقة.

وبحسب مصادر بلومبرغ في قطاع الشحن، يتم التفاوض على رسوم العبور وفق نظام تصنيف للدول، مع منح شروط أفضل للدول الحليفة، بينما قد تواجه سفن الدول الأخرى تهديدات مباشرة.

الأهم أن هذه الرسوم يتم سدادها غالبًا باليوان أو العملات الرقمية المستقرة، وهو ما يعكس تحولًا تدريجيًا في تسعير تجارة الطاقة بعيدًا عن الدولار، ويمنح العملة الصينية دورًا متزايدًا في هذا القطاع الحيوي.

نظام جديد يعيد تشكيل التجارة العالمية

تشير المعلومات إلى أن السفن الراغبة في العبور مطالبة بالتواصل مع شركة وسيطة مرتبطة بالحرس الثوري، وتقديم بيانات تفصيلية تشمل الملكية والعلم والشحنة والوجهة وطاقم السفينة، إضافة إلى بيانات التتبع الإلكتروني.

ويتم بعد ذلك فحص هذه البيانات للتأكد من عدم ارتباط السفينة بدول تعتبرها إيران معادية، قبل بدء التفاوض على رسوم العبور، والتي قد تصل في حالة ناقلات النفط إلى نحو 1 دولار لكل برميل.

وبعد سداد الرسوم، تحصل السفينة على تصريح مرور ومسار محدد، وقد يُطلب منها رفع علم الدولة التي رتبت العبور أو حتى تغيير تسجيلها، قبل أن تتم مرافقتها عبر المضيق في مسار بات يُعرف داخل الصناعة باسم نقطة التحصيل الإيرانية.

ورغم أن بيانات تتبع السفن تشير إلى تحسن طفيف في حركة العبور خلال الأسبوع الماضي، فإنها لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب، ما يعكس استمرار حالة الاضطراب، وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على تحولات أعمق قد تعيد رسم خريطة النظام المالي العالمي، مع صعود اليوان كأحد أبرز المستفيدين على حساب هيمنة الدولار.