يبدو أن موجة البيع التي تجتاح أسواق السندات العالمية مؤلمة، لكنها لا تزال بعيدة كثيرًا عن الخسائر الحادة التي شهدتها الأسواق قبل 4 سنوات، عندما أجبر ارتفاع التضخم البنوك المركزية على تنفيذ سلسلة سريعة ومتتالية من زيادات أسعار الفائدة.

ويكمن الفارق الأساسي في حجم التحرك. فعلى الرغم من أن موجة التراجع الأخيرة دفعت عوائد السندات إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات في أكبر الأسواق العالمية، فإن الارتفاع الحالي لا يمثل سوى جزء من التحرك الذي شهدته الأسواق في أواخر عام 2022.

وأظهرت بيانات جمعتها بلومبرج أن عوائد السندات الحكومية العالمية ارتفعت بمقدار 17 نقطة أساس على أساس تراكمي خلال فترة متحركة مدتها 20 يومًا، مقارنة بارتفاع بلغ 62 نقطة أساس خلال الفترة المماثلة في ذلك الوقت. وعلى أساس الخسائر من القمة إلى القاع، تراجعت السندات بنسبة 4.2% منذ بداية العام، وهو انخفاض بعيد للغاية عن الهبوط البالغ 23% الذي سجلته في عام 2022.

موجة البيع الحالية أقل حدة من صدمة 2022

وعلى الرغم من أن موجة البيع الحالية لا تظهر حتى الآن مؤشرات واضحة على التوقف، فإن الارتفاع المحدود نسبيًا في العوائد حتى الآن يوفر قدرًا من الطمأنينة للمستثمرين المخضرمين الذين عايشوا اضطرابات سوق السندات السابقة.

وقال ستيفن ميلر، المستشار لدى شركة إدارة الاستثمارات GSFM في سيدني، والذي يتابع أسواق الديون منذ عام 1983، إن المستثمرين ربما يحتاجون إلى قدر من الهدوء في التعامل مع التطورات الحالية. وأضاف أنه لا يستطيع القول إن السندات تمثل فرصة شراء استثنائية، لكنه أشار إلى أن مستويات العوائد الحالية تجعلها جديرة ببعض الاهتمام من جانب المستثمرين الباحثين عن دخل.

وكانت موجة البيع التي شهدتها السندات في عام 2022 قد دفعت سوق السندات العالمية إلى أول سوق هابطة له منذ جيل، وذلك بعدما شرعت البنوك المركزية، بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في تنفيذ أكثر دورات تشديد السياسة النقدية تنسيقًا وسرعة خلال نحو نصف قرن.

وجاء ذلك في مواجهة موجة تضخم قوية غذّاها انتعاش الطلب بعد جائحة كورونا، وزادت حدتها بسبب الحرب في أوكرانيا، ما دفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بوتيرة متسارعة للسيطرة على ارتفاع الأسعار.

التضخم ليس العامل الوحيد وراء ضغوط السندات

ولا يزال التضخم عاملًا رئيسيًا في موجة البيع الحالية، خصوصًا في ظل الحرب مع إيران وتأثيرها على أسعار الطاقة، لكن عوامل أخرى تضيف المزيد من الضغوط على أسواق السندات العالمية.

فارتفاع الإنفاق الحكومي في أسواق رئيسية مثل اليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة يبقي إصدارات الديون عند مستويات مرتفعة، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعائد إضافي مقابل الاحتفاظ بالسندات ذات آجال الاستحقاق الأطول.

وفي الوقت نفسه، تؤدي الأموال الضخمة المطلوبة لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة المنافسة على رأس المال، وهو ما يساعد بدوره على دفع تكاليف الاقتراض إلى مستويات أعلى.

ومع ذلك، ظلت خسائر السندات أكثر احتواءً، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العوائد ترتفع هذه المرة من مستويات أعلى بكثير، ما يوفر للمستثمرين وسادة دخل أكبر تساعد على تعويض انخفاض الأسعار. وعلى النقيض من ذلك، كانت العوائد تقترب من مستويات منخفضة تاريخيًا قبل الدخول في عام 2022.

عوائد أعلى توفر حماية أكبر للمستثمرين

وبلغ متوسط سعر القسيمة التي تحملها السندات المدرجة في مؤشر بلومبرج العالمي للعائد الإجمالي للخزانة نحو 2.68% هذا العام، مقارنة بـ 1.84% في عام 2022.

 

وقال كيري كريج، استراتيجي الأسواق العالمية لدى جيه بي مورجان لإدارة الأصول في ملبورن، إن الوضع بالنسبة إلى اقتصادات عديدة ليس بالسوء الذي قد يوحي به أداء سوق السندات.

وأضاف أن المستثمرين في بعض الأسواق، مثل أستراليا، ربما يبالغون في تقدير حجم الزيادات التي سيجريها البنك المركزي في أسعار الفائدة.

وتدعم بعض البيانات الاقتصادية الأخيرة هذه الرؤية. ففي الولايات المتحدة، جاءت بعض البيانات الرئيسية مخيبة للآمال، مع انخفاض الوظائف في يوليو وتراجع مبيعات التجزئة على نحو غير متوقع. كما نما الاقتصاد الياباني بوتيرة أبطأ من المتوقع خلال الربع الثاني.

عوائد الخزانة الأمريكية واليابانية تعيد المخاوف إلى الواجهة

ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن من يستطيع الجزم بأن عوائد السندات بلغت ذروتها، إذ لا تزال هناك مساحة لمزيد من الخسائر في أسواق الديون.

وقد تستمر موجة بيع السندات مع بقاء التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة عاملًا يدعم رهانات رفع أسعار الفائدة، بينما تضيف الإصدارات الحكومية الضخمة مزيدًا من الضغوط الصعودية على العوائد.

كما تمثل الزيادة في العوائد اليابانية مصدرًا إضافيًا للضغط، لأنها قد تدفع رؤوس الأموال العالمية إلى العودة إلى اليابان بدلًا من الاستثمار في الأسواق الخارجية.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات، الذي يمثل معيارًا عالميًا لتكاليف الاقتراض، إلى 4.81% يوم الأربعاء، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2023، ما يفرض مزيدًا من الضغوط على أسواق الديون في الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وفي اليابان، لامس عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3% يوم الثلاثاء للمرة الأولى خلال هذا القرن.

تقلبات أقل رغم استمرار موجة البيع

ومع ذلك، تشير المستويات المنخفضة لتقلبات السوق إلى أن المستثمرين يتعاملون مع موجة البيع الحالية بقدر أكبر من الهدوء مقارنة بالاضطرابات السابقة.

وانخفض تقلب عوائد السندات الحكومية العالمية إلى 37 نقطة أساس، مقارنة بذروة بلغت 56 نقطة أساس في مايو. وكان هذا المقياس قد قفز بقوة خلال عام 2022 قبل أن يصل إلى ذروة تقارب 92 نقطة أساس في مارس من العام التالي.

وقالت أياكو سيرا، كبيرة استراتيجيي الأسواق لدى سوميتومو ميتسوي ترست بنك في طوكيو، إن العوامل السلبية التي تضغط على السندات تتراكم بصورة مستمرة، لكن لم يظهر حتى الآن محفز حاسم بالقوة الكافية لدفع المستثمرين إلى الخروج من السوق.

وبالتالي، ورغم ارتفاع العوائد إلى مستويات تثير القلق في عدد من الاقتصادات الكبرى، فإن الصورة الحالية تختلف جوهريًا عن صدمة عام 2022؛ فارتفاع العوائد يأتي من قاعدة أعلى، والعوائد التي يحصل عليها المستثمرون توفر قدرًا أكبر من الحماية، بينما لا تزال الأسواق تترقب ما إذا كان التضخم وأسعار الطاقة والإنفاق الحكومي ستدفع موجة البيع الحالية إلى مرحلة أكثر حدة.