أنهت المؤشرات الأمريكية الكبرى أسبوعها الثاني على التوالي من الخسائر يوم الجمعة، في ظل متابعة المستثمرين لسيل من العناوين الجيوسياسية ومحاولتهم التعامل مع بيئة تداول لا تزال مضطربة مع بداية 2026.

تحرك مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بشكل هامشي يوم الجمعة وارتفع بأقل من 0.1%، لكنه أنهى الأسبوع منخفضًا بنسبة 0.4%، في حين سجل مؤشر داو جونز الصناعي تراجعًا أسبوعيًا بنسبة 0.7%. أما مؤشر ناسداك المركب، فرغم ارتفاعه بنسبة 0.3% في جلسة الجمعة، فقد أنهى الأسبوع على انخفاض يقارب 0.1%.

جاءت الحركة الأكثر لفتًا للانتباه خلال الأسبوع من سوق الغاز الطبيعي، حيث قفزت العقود الآجلة بنحو 75% خلال 5 جلسات تداول حتى يوم الخميس، مع اجتياح عاصفة شتوية قوية تجلب بردًا قطبيًا وثلوجًا كثيفة لأكثر من 150 مليون شخص في الولايات المتحدة.

دافوس يكشف التصدعات بين واشنطن وحلفائها

برزت أهم عناوين الأسبوع من منتدى دافوس الاقتصادي العالمي، حيث اجتمع قادة العالم وكبرى الشخصيات الاقتصادية. وأسفر المنتدى عن الإعلان عن إطار اتفاق بشأن غرينلاند بين الرئيس ترامب وقادة أوروبا، إلا أن النقاشات كشفت أيضًا عن اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الغربيين الرئيسيين.

خلال السنوات الأخيرة، تراجعت أهمية سوق العملات أمام هيمنة الأسهم، مع تركيز المستثمرين على نمو الأرباح والتفاؤل المدفوع بالذكاء الاصطناعي وقوة أداء الأسهم الأمريكية. إلا أن هذا الوضع قد يبدأ في التغير وفق رؤية عدد من الاستراتيجيين.

يرى محللون أن اتفاق غرينلاند قد يعالج المشكلة المباشرة المتعلقة بالرسوم الجمركية أو التهديدات العسكرية، لكنه لا يعالج جوهر الأزمة المتمثل في شعور متزايد بالاغتراب المتبادل بين الولايات المتحدة وحلفائها، وهو ما قد يؤدي إلى عالم أكثر انقسامًا تتراجع فيه مكانة الدولار.

تحركات واضحة في سوق العملات

رغم تراجع التوتر بشأن غرينلاند وتعليق الاتحاد الأوروبي لإجراءات تجارية مضادة، فإن المستثمرين يبدون أكثر ميلًا للبحث عن ملاذات آمنة خارج الدولار.

خلال 5 أيام فقط، ارتفع زوج اليورو مقابل الدولار بنحو 2%، وهو ما يعكس قوة العملة الأوروبية أمام العملة الأمريكية.

في الوقت نفسه، تراجع الدولار بأكثر من 2.7% أمام الفرنك السويسري، في إشارة إلى زيادة التحوط ضد عدم الاستقرار النظامي، كما انخفض بنحو 1.8% أمام الين الياباني مع قوة العملة اليابانية في نهاية الأسبوع.

أسبوع حافل بالقرارات والنتائج

تتجه أنظار المستثمرين إلى أحد أكثر الأسابيع ازدحامًا خلال العام، مع انعقاد اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لشهر يناير بالتزامن مع صدور مجموعة كبيرة من نتائج الشركات، من بينها 4 شركات من مجموعة العمالقة السبعة.

مايكروسوفت وميتا وتسلا تعلن نتائجها بعد إغلاق جلسة الأربعاء، فيما تعلن آبل نتائجها بعد إغلاق جلسة الخميس، مع تركيز الأسواق على حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وطموحات هذه الشركات في المرحلة المقبلة.

في السياسة النقدية، تكاد الأسواق تجزم بأن الاحتياطي الفيدرالي سيبقي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.5% إلى 3.75%، حيث تشير البيانات إلى احتمال يبلغ 97% لتثبيت الفائدة في الاجتماع المقبل.

الملف الأبرز للفيدرالي قد لا يكون قرار الفائدة نفسه، بل التطورات المرتبطة بمرشح الرئيس ترامب لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي بعد انتهاء ولاية جيروم باول في مايو. حيث تزايدت التكهنات حول صعود اسم ريك رايدر من بلاك روك كأبرز المرشحين، متقدمًا على أسماء أخرى كانت مطروحة بقوة في وقت سابق.

التقييمات والإنفاق الضخم يثيران الجدل

مع اقتراب إعلان نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى، يترقب المستثمرون إجابتين أساسيتين: حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، وكيفية تمويل هذا الإنفاق.

رفعت ميتا تقديرات إنفاقها إلى نطاق يتراوح بين 70 و72 مليار دولار، فيما أشارت مايكروسوفت إلى أن إنفاقها في 2026 سيتجاوز 88.2 مليار دولار التي أنفقتها في 2025.

هذا الإنفاق الضخم يجري تمويله عبر إصدار ديون كبيرة لدرجة أنها بدأت تغير شكل سوق السندات ذات التصنيف الاستثماري، حيث أصدرت شركات التكنولوجيا ما يقرب من 700 مليار دولار من الديون خلال ربع واحد فقط.

ورغم تراجع الحديث عن فقاعة الذكاء الاصطناعي، لا يزال محللون يحذرون من مخاطر التقييمات المرتفعة والإنفاق المفتوح بلا سقف، مؤكدين أن الثورة التكنولوجية حقيقية لكن توقيت الاستثمار ومستوى الأسعار يظلان عاملين حاسمين.

دورة فائقة في أسواق المعادن

في ظل بيئة عالمية مشحونة بالتوترات الجيوسياسية من فنزويلا إلى إيران وغرينلاند والعلاقات الأمريكية الأوروبية، تواصل المعادن تصدر المشهد الاستثماري.

ارتفع الذهب بنحو 8% خلال أسبوع واحد وتجاوز مستوى 4900 دولار للأونصة لأول مرة، ما دفع بنوكًا كبرى إلى رفع توقعاتها السعرية إلى 5400 دولار بنهاية العام.

الفضة بدورها تجاوزت 100 دولار للأونصة لأول مرة، فيما قفز البلاتين بأكثر من 30% منذ بداية العام، في انعكاس واضح لتحول المستثمرين نحو الأصول الصلبة.

يرى محللون أن ما يحدث اليوم يختلف عن السابق، إذ لم يعد الدولار هو الملاذ الأول عند تصاعد الأزمات، بل أصبح الذهب والفضة والمعادن الثمينة وحتى أسهم الدفاع تستحوذ على اهتمام المستثمرين.

الطلب الصناعي يعزز موجة الصعود

لم يقتصر صعود المعادن على الطلب الاستثماري فقط، بل امتد أيضًا إلى الجانب الصناعي، حيث ارتفعت أسعار النحاس بنحو 4% منذ بداية العام مدفوعة بالطلب المرتبط بمراكز البيانات.

سجل الليثيوم ارتفاعًا يقارب 44% هذا العام، فيما قفز القصدير بنحو 30%، في ظل توقعات باستمرار نمو الطلب مع توسع شركات التكنولوجيا في بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

تشير تقديرات بنوك كبرى إلى أن القيود على المعروض وقوة الطلب المرتبطة بالتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي قد تدعم أسعار المعادن خلال 2026، بل وقد تؤسس لما يشبه الدورة الفائقة التي تبقي الأسعار أعلى من متوسطاتها التاريخية لفترة طويلة.