تراجع سعر بيتكوين بنحو 1.5% خلال الأسبوع الماضي، في حين تكبد مؤشر الأسهم الأمريكية الأوسع خسائر حادة قاربت 10% خلال يومين فقط، وهو تباين لافت دفع حتى المشككين إلى إعادة النظر في مسألة أي الأصول أكثر تقلبًا.

جاء هذا التباين في وقت شهدت فيه الأسواق العالمية اضطرابات حادة عقب تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومع ذلك تمكن بيتكوين من الحفاظ على تماسكه فوق مستوى 66,000 دولار، بل وصل يوم الاثنين إلى ما يقرب من 70 ألف دولار، في أداء لم تستطع الأسهم مجاراته.

هذا الثبات النسبي أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة بيتكوين، وما إذا كان لا يزال أصلًا عالي المخاطر أم أنه بدأ يكتسب خصائص أقرب إلى الأصول الدفاعية.

اهتمام مؤسسي متزايد يعزز الثقة

لم يمر هذا الأداء دون ملاحظة في وول ستريت، حيث تواصل المؤسسات المالية والبنوك المركزية دراسة بيتكوين منذ سنوات، في ظل تزايد الاهتمام به كفئة أصول مستقلة.

وفي خطوة لافتة، أعلنت شركة تشارلز شواب، التي تدير أصولًا تقارب 12 تريليون دولار، عن خطط لإطلاق خدمة تداول مباشر لبيتكوين وإيثريوم خلال النصف الأول من 2026 عبر حساب مخصص.

هذه الخطوة تتجاوز صناديق الاستثمار المتداولة، وتضع العملات الرقمية جنبًا إلى جنب مع الأسهم والسندات داخل منصة واحدة يستخدمها ملايين المستثمرين، ما يعزز دمج الأصول الرقمية في النظام المالي التقليدي.

في السياق ذاته، أشار فلاد تينيف، الرئيس التنفيذي لمنصة روبن هود، إلى أن أوقات إغلاق الأسواق تمثل نموذجًا قديمًا، مؤكدًا أن ترميز الأصول يفتح الباب أمام نظام مالي يعمل بشكل مستمر يشبه الإنترنت.

تعكس هذه التصريحات تحولًا أعمق في طريقة التفكير حول الأسواق، حيث يتم الانتقال من نماذج تقليدية إلى أنظمة أكثر مرونة تعتمد على التكنولوجيا. كما تعزز هذه الرؤية من مكانة العملات الرقمية كجزء أساسي من البنية المالية المستقبلية.

تحذيرات من التفاؤل المفرط

رغم هذا الزخم، يرى آرثر هايز، المؤسس المشارك لمنصة بيت مكس وكبير مسؤولي الاستثمار في شركة مايلستروم، أن الوقت لم يحن بعد للمراهنة الكاملة على بيتكوين.

وأوضح في مقابلة حديثة أنه لن يستثمر كامل أمواله في الوقت الحالي، مشيرًا إلى أن الاحتياطي الفيدرالي لم يبدأ بعد في ضخ سيولة كافية في الأسواق. ويرى أن السياسات التجارية، مثل الرسوم الجمركية، تؤدي إلى تضخم في الأسعار وتؤثر سلبًا على الاقتصاد، ما قد يدفع الولايات المتحدة لاحقًا إلى فرض قيود على حركة رؤوس الأموال.

يتوقع هايز أن تؤدي هذه القيود، إلى جانب تغييرات في النظام المالي، إلى ضخ سيولة كبيرة في الأسواق، ما قد يدعم ارتفاع بيتكوين على المدى الطويل.

وحدد نطاقًا سعريًا مستهدفًا يتراوح بين 250,000 و750,000 دولار بنهاية الدورة الحالية، معتبرًا أن شراء بيتكوين يمثل وسيلة للتحوط من تآكل قيمة العملات التقليدية.

لكنه حذر في الوقت نفسه من احتمالية تعرض السوق لهبوط مؤقت، خاصة إذا استمرت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما قد يدفع السعر إلى ما دون 60,000 دولار قبل أي صعود جديد.

دروس التاريخ تدعم السيناريو الصعودي

تشير أبحاث صادرة عن منصة ميركادو بيتكوين، إحدى أكبر منصات تداول العملات الرقمية في أمريكا اللاتينية، إلى أن بيتكوين غالبًا ما يتفوق على الذهب والأسهم خلال الفترات التي تعقب الصدمات العالمية.

وأظهرت البيانات أن بيتكوين يتراجع في البداية مع اندلاع الأزمات بسبب لجوء المستثمرين إلى السيولة، لكنه يعود للارتفاع بوتيرة أقوى مقارنة بالأصول التقليدية.

ويبدو أن النمط الحالي يعكس هذا السلوك، حيث تعافى السعر إلى نحو 67,300 دولار، في حين استمرت الأسهم في التراجع.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن بيتكوين قد يواجه موجة هبوط قوية، حيث تشير توقعات تحليل فني إلى احتمال تراجع السعر إلى نطاق بين 51,000 و53,000 دولار.

كما تتوقع هذه الرؤية سيناريو أكثر تشاؤمًا يتمثل في انخفاض حاد قد يصل إلى 80% أو 90% خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بحدوث ركود اقتصادي وأزمة مصرفية.

مؤشرات الخوف تضغط على السوق

لا تزال مؤشرات معنويات المستثمرين في مستويات متدنية، حيث استقر مؤشر الخوف والطمع في نطاق الخوف الشديد لأسابيع، وهو ما يعكس حالة من القلق المستمر.

كما حذر هايز من مخاطر جديدة قد تؤثر على السوق، أبرزها تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، والذي قد يؤدي إلى أزمة ائتمانية وانكماش اقتصادي.

هذا السيناريو قد يضغط على جميع الأصول عالية المخاطر، بما في ذلك بيتكوين، على المدى القصير.

بين الفرص والمخاطر مستقبل غير محسوم

يمثل إعلان شركة تشارلز شواب نقطة تحول مهمة في مسار العملات الرقمية، حيث يسرّع من دمجها داخل النظام المالي التقليدي. حيث إن إدراج بيتكوين وإيثريوم ضمن حسابات استثمارية تقليدية يزيل الحواجز بين الأسواق، ويجعل الوصول إلى هذه الأصول أكثر سهولة للمستثمرين.

هذا التحول قد يعيد تشكيل خريطة الاستثمار عالميًا، ويمنح العملات الرقمية دورًا أكبر في المحافظ الاستثمارية.

يقف بيتكوين حاليًا بين قوتين متعارضتين، تتمثل الأولى في توسع البنية المؤسسية الداعمة له، والثانية في بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتدهور وعدم اليقين.

ويرى هايز أن نقطة التحول ستأتي عندما يضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى ضخ السيولة مجددًا، وهو ما قد يدفع بيتكوين إلى تحقيق مكاسب كبيرة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الأسواق وكأنها تسعّر الخوف في الوقت الحالي، بينما يشير التاريخ إلى أن مثل هذه اللحظات غالبًا ما تكون بداية موجات صعود قوية.