واصلت أسعار النفط تراجعها خلال تعاملات الثلاثاء، مع استمرار الأسواق في تقييم احتمالات استئناف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، مقابل استمرار حالة الضبابية بشأن تفاصيل الاتفاق الأولي المعلن لإنهاء الحرب مع إيران، إلى جانب مؤشرات متزايدة على ضعف الطلب الفعلي في الأسواق العالمية.

وانخفضت عقود خام برنت الآجلة بمقدار 45 سنتًا أو ما يعادل 0.5% لتسجل 82.72 دولارًا للبرميل.

كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمقدار 24 سنتًا أو 0.3% ليصل إلى 80.51 دولارًا للبرميل.

وجاءت هذه التراجعات بعد خسائر حادة تكبدها النفط في جلسة الإثنين، حيث هبطت الأسعار بنحو 5% مسجلة أدنى إغلاق لها منذ 4 مارس الماضي.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أن مذكرة تفاهم جرى توقيعها لإنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، إلا أن التفاصيل الكاملة للاتفاق لم تُنشر حتى الآن، ما أبقى حالة من الحذر في الأسواق.

رهانات على عودة الإمدادات عبر مضيق هرمز

أدى الصراع العسكري إلى إغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية قبل اندلاع الحرب.

ومع الإعلان عن الاتفاق الأولي، بدأت الأسواق تراهن على عودة تدريجية لتدفقات النفط عبر هذا الممر الحيوي، وهو ما ساهم في الضغط على الأسعار خلال الأيام الأخيرة.

ويرى عدد من المحللين أن استئناف حركة الإمدادات قد يبدأ خلال الفترة المقبلة، رغم أن العودة الكاملة إلى مستويات ما قبل الحرب ستحتاج إلى وقت أطول.

وأشار محللو بنك مورغان ستانلي في مذكرة بحثية إلى أن استعادة حركة ناقلات النفط عبر المضيق قد تستغرق عدة أسابيع.

وتوقع البنك عودة نحو 50% من الإنتاج المفقود بحلول سبتمبر المقبل، على أن ترتفع النسبة إلى 80% بحلول ديسمبر، وهو معدل أسرع قليلاً من التقديرات السابقة.

ضعف الطلب العالمي يضغط على السوق

إلى جانب العوامل الجيوسياسية، تواجه أسعار النفط ضغوطًا إضافية من مؤشرات الضعف في الطلب العالمي على الخام.

وأوضح محللو مورغان ستانلي أن مجموعة واسعة من المؤشرات كانت قد أظهرت ضعفًا في الأسواق الفعلية للنفط خلال الأسابيع الماضية.

وأشاروا إلى أن ارتفاع صادرات النفط الأمريكية وتراجع الواردات الصينية يمثلان العاملين الأكثر تأثيرًا في الوقت الراهن.

وأضافوا أن هذه الاتجاهات لا تبدو مرشحة للتغير خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما قد يبقي الضغوط قائمة على الأسعار.

وفي هذا السياق، تراجعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 29% خلال مايو الماضي، لتسجل أدنى مستوياتها منذ 8 سنوات.

كما تشير التوقعات إلى احتمال انخفاض مشتريات الصين من النفط السعودي خلال يوليو المقبل، ما يعكس استمرار تباطؤ الطلب لدى أكبر مستورد للنفط في العالم.

تفاصيل الاتفاق ما زالت غير مكتملة

تشير المؤشرات الأولية إلى أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحصار البحري المفروض عليه.

كما يتضمن الاتفاق تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، بما يمنح المفاوضين وقتًا إضافيًا لمعالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني.

ووصف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الاتفاق بأنه خطوة مهمة نحو إنهاء القتال ووقف التصعيد العسكري.

لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التوصل إلى اتفاق نهائي يضمن هدنة دائمة لم يتبلور بعد بصورة كاملة.

وتبقى هذه التصريحات عاملًا مهمًا في تفسير عدم انهيار أسعار النفط بشكل أكبر، إذ ما زالت الأسواق تتعامل بحذر مع احتمالات تعثر المفاوضات أو تأخر تنفيذ بنود الاتفاق.

المرحلة الحاسمة لم تبدأ بعد

يرى محللون أن المرحلة الأولى من الاتفاق كانت الأسهل، لأنها تركز على توقيع اتفاق سياسي وتمديد وقف إطلاق النار.

وقال سوفرو ساركار، رئيس أبحاث الطاقة في بنك DBS، إن توقيع الاتفاق المرتقب في جنيف وتمديد الهدنة لمدة 60 يومًا يوفران فرصة لشراء الوقت وتأجيل الملفات الأكثر حساسية.

وأوضح أن المرحلة الثانية هي التي ستركز عليها الأسواق بشكل أكبر، لأنها تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا وإنهاء الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ والسفن الإيرانية.

وأضاف أن أي عملية إعادة فتح لا تتم بشكل واضح ومتزامن قد تؤدي إلى عودة التقلبات الحادة في أسعار النفط.

وأشار إلى أن حالة انعدام الثقة المتبادلة بين الجانبين تجعل المستثمرين أكثر حذرًا في تقييم فرص نجاح الاتفاق خلال الأسابيع المقبلة.

الملف النووي يبقى مصدر القلق الأكبر

وفي تطور قد يساعد على تهدئة المخاوف، قال مسؤول إيراني رفيع المستوى الإثنين إن طهران ستقوم بتجميد أنشطتها النووية إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي.

وأضاف أن إيران ستتوقف عن تخصيب المزيد من اليورانيوم، كما ستمتنع عن توسيع منشآتها النووية خلال فترة التفاوض.

ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن الأسواق تدرك أن الملف النووي يبقى القضية الأكثر تعقيدًا وحساسية في المفاوضات بين الطرفين.

لذلك يظل مسار أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة مرهونًا بسرعة تنفيذ بنود الاتفاق، ومدى التقدم المحقق في المفاوضات النووية، إضافة إلى وتيرة عودة الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمثل أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.