على الرغم من التهديدات المتجددة باحتمالية رفع أسعار الفائدة في شهر سبتمبر، فإن الأداء السعري للذهب خلال أغسطس أثبت مدى قوة هذا المعدن النفيس كأداة تحوط مثالية في مواجهة الارتفاع غير المستدام في مستويات الديون السيادية العالمية.

 

في تقرير نُشر يوم الأربعاء، كشف مجلس الذهب العالمي (WGC) أن الطلب الاستثماري على الصناديق المتداولة في البورصة (ETFs) المدعومة بالذهب سجل ثاني أكبر تدفق للرؤوس الأموال في تاريخه. ووفقاً لبياناته الشهرية، تدفق ما يصل إلى 18 مليار دولار نحو صناديق الذهب المتداولة عالمياً خلال أغسطس، بقيادة الصناديق المدرجة في أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا.

 

وأوضح محللو المجلس في التقرير: منذ بداية العام وحتى الآن، بلغ إجمالي التدفقات العالمية نحو صناديق الذهب المتداولة 29 مليار دولار، ما يمثل زيادة في الحيازات بمقدار 160 طناً. ولا تزال الصناديق الآسيوية المساهم الأكبر في هذه التدفقات خلال تلك الفترة، تليها الصناديق الأوروبية.

 

وأضاف التقرير أن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، إلى جانب تدخل وزارة الخزانة الأمريكية في 19 أغسطس، قد ضاعف من المخاوف المتعلقة بالاستدامة المالية وعودة شبح خفض قيمة الدولار. ومع اختراق الذهب لمستويات فنية هامة، فإن الزخم السعري المستمر كان كفيلاً بجذب المزيد من الطلب المؤسسي والتكتيكي.

أرقام قياسية في أمريكا وأوروبا

استقطبت الصناديق في أمريكا الشمالية نحو 7.7 مليار دولار الشهر الماضي، مسجلة بذلك ثالث أكبر تدفق شهري في تاريخها. وأشار المحللون إلى أن هذا التدفق القوي في أغسطس ساعد في تعويض التدفقات الخارجة القياسية التي بلغت 13 مليار دولار في مارس، مما أعاد صافي التدفقات في أمريكا الشمالية إلى المنطقة الإيجابية منذ بداية العام.

 

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، شهدت الصناديق الأوروبية تدفقات غير مسبوقة بلغت 7.9 مليار دولار، وهي الأكبر على الإطلاق. وفسر المحللون ذلك بأن دور الذهب كأداة لتنويع المحافظ الاستثمارية وكبديل آمن للديون السيادية لا يزال يشكل محركاً رئيسياً للطلب. واستمرار موجة الشراء القوية بعد انتعاش يوليو يشير إلى أن المستثمرين اعتبروا التصحيح السعري في الصيف فرصة ذهبية لإعادة بناء مراكز استراتيجية بدلاً من تقليص الانكشاف.

 

الطلب الآسيوي يواصل الدعم

استمر الطلب في آسيا بلعب دور محوري في سوق الذهب، حيث جذبت الصناديق المتداولة الإقليمية ملياري دولار. وتصدرت الصين المشهد، حيث أشار المحللون إلى أن استقرار وانتعاش أسعار الذهب محلياً أثار شهية المستثمرين، مما جعل السوق في طريقه لتجاوز الرقم القياسي المسجل في السنة المالية 2025. كما أن التراجع المستمر في عوائد السندات الحكومية المحلية وحركة سوق الأسهم العرضية وفرا دعماً إضافياً.

 

هل ينجح الفيدرالي في السيطرة على العوائد؟

في تقرير منفصل، أشار مجلس الذهب العالمي إلى أن مسار الطلب الاستثماري في الفترة المقبلة سيعتمد بشكل كبير على مدى ثقة السوق في قدرة وزارة الخزانة الأمريكية على كبح جماح عوائد السندات، خاصة وأن العائد على السندات لأجل 10 سنوات يتداول حالياً عند 4.83%، وهو أعلى مستوى له منذ ثلاث سنوات.

 

وأوضح المحللون أن السؤال الأهم ليس شكل التدخل أو الجهة المنفذة، بل كيف ستفسر الأسواق هذا التدخل. فبينما تمتلك الخزانة قوة تأثير كبيرة، فإن الاحتياطي الفيدرالي يمتلك قدرات غير محدودة إذا قرر التدخل؛ مما يعني أن كبح العوائد الاسمية أمر شبه مؤكد، لكن الضغط سينتقل لاتجاهات أخرى.

 

وإذا اعتبرت الأسواق هذا التدخل بمثابة خطوة يائسة، فقد ينعكس ذلك في هبوط العوائد الحقيقية، اتساع علاوة الأجل (Term Premium)، وضعف الدولار، أو حتى مزاحمة طلب القطاع الخاص على هذه الأصول.

 

وختم التقرير: في النهاية، الأمر يتعلق بمدى اقتناع السوق. إذا لم يكن مقتنعاً، فإن الذهب هو المستفيد الأكبر. أما إذا كان مقتنعاً، فقد يفقد الذهب مؤقتاً أحد أهم دعائمه التي قادت ارتفاعاته على مدار سنوات. وبناءً على التزامات الإنفاق والضرائب الحالية، نرى أن تحقيق هذه القناعة يظل تحدياً صعباً.