أكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كيفن وارش، أن تباطؤ التضخم خلال شهر يونيو لا يعني انتهاء المعركة ضد ارتفاع الأسعار، ملمحًا لأول مرة منذ توليه منصبه إلى الكيفية التي قد يتعامل بها البنك المركزي إذا استمرت الضغوط التضخمية.

وخلال جلسة استماع استمرت نحو 3 ساعات أمام الكونغرس، واجه وارش أسئلة من المشرعين بشأن خطته لتحقيق وعده المتكرر بإعادة الاستقرار للأسعار، بعد سنوات أخفق فيها الاحتياطي الفيدرالي في إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.

ورغم أنه تجنب توجيه إشارة مباشرة إلى قرب تشديد السياسة النقدية، فإنه أوضح أن أسعار الفائدة تظل إحدى الأدوات الرئيسية المتاحة أمام البنك المركزي لمواجهة التضخم.

وقال وارش: لدينا الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك، مضيفًا: خلال الفترة المقبلة سأطلب من زملائنا خوض نقاش معمق بشأن حجم وتوقيت استخدام هذه الأدوات، في إشارة إلى أدوات السياسة النقدية التي يمتلكها الاحتياطي الفيدرالي.

أول تلميح لاحتمال رفع الفائدة

يرى اقتصاديون أن تصريحات وارش لم تصل إلى حد الإشارة إلى رفع وشيك لأسعار الفائدة، لكنها تمثل أوضح إقرار منه حتى الآن بأن السياسة النقدية قد تحتاج إلى مزيد من التشديد إذا ظل التضخم مرتفعًا.

وقال أولو سونولا، رئيس قسم الاقتصاد الأمريكي في وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية، إن هذه التصريحات تمثل أقرب موقف يتبناه وارش للاعتراف بإمكانية رفع أسعار الفائدة استجابة لاستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، دون أن يعلن ذلك صراحة.

كما اعتبر اقتصاديون في غولدمان ساكس، في مذكرة للعملاء، أن تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي تضمنت إشارات إلى رؤيته لكيفية التعامل مع التضخم المرتبط بصدمات جانب العرض، وهو أحد أكثر أنواع التضخم تعقيدًا بالنسبة للبنوك المركزية.

نهاية التوجيه المسبق.. ونهج جديد للفيدرالي

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد رشح كيفن وارش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، في وقت واصل فيه المطالبة بخفض تكاليف الاقتراض.

ومنذ توليه المنصب في مايو، تعهد وارش بالتخلي عن سياسة التوجيه المسبق، التي اعتاد من خلالها الاحتياطي الفيدرالي إرسال إشارات للأسواق بشأن المسار المتوقع لأسعار الفائدة.

ويرى وارش وعدد من مسؤولي البنك المركزي أن هذا الأسلوب يقيد قدرة صناع السياسة النقدية على التحرك عندما تتغير الظروف الاقتصادية بصورة مفاجئة.

ولهذا السبب، حرص منذ توليه المنصب على تجنب تقديم أي تصور مسبق بشأن رد فعل الاحتياطي الفيدرالي إذا لم يتراجع التضخم، رغم أن بعض زملائه داخل البنك المركزي تحدثوا صراحة عن احتمال رفع أسعار الفائدة.

انقسام بين الاقتصاديين حول دلالات التصريحات

لم يقتنع جميع الاقتصاديين بأن تصريحات وارش حملت تغيرًا حقيقيًا في موقفه. وقال جيسون فورمان، كبير الاقتصاديين السابق في إدارة الرئيس باراك أوباما وأستاذ الاقتصاد في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، إن رئيس الاحتياطي الفيدرالي حافظ على نهجه المعتاد ولم يقدم أي توجيهات جديدة خلال جلسة الاستماع.

وأضاف: من يعتقد أنه استمع إلى تلميحات بشأن خطط وارش المستقبلية يسيء فهم تصريحاته، مؤكدًا أنه لا يرى أي إشارة واضحة في الوقت الحالي، لأن رئيس الاحتياطي الفيدرالي لم يحسم بعد المسار الذي سيتبناه.

في المقابل، تراجع المتعاملون في الأسواق عن رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة خلال اجتماع يوليو، بعدما أظهرت بيانات صدرت في وقت سابق الثلاثاء انخفاض أسعار المستهلكين في يونيو للمرة الأولى منذ 6 سنوات، وذلك بالتزامن مع فترة هدوء مؤقتة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قبل تجدد التصعيد لاحقًا.

كما استقر مؤشر التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا، دون تسجيل أي ارتفاع.

 

بيانات التضخم خففت الضغوط... لكن المهمة لم تنتهِ

قال ستيفن إنجلاندر، الرئيس العالمي لأبحاث عملات مجموعة العشرة في ستاندرد تشارترد، إن بيانات التضخم الضعيفة جعلت جلسة الاستماع أمام الكونغرس أكثر سهولة بالنسبة لوارش.

ورغم أن أرقام التضخم جاءت أقل من المتوقع وخففت الضغوط السياسية عليه، فإن أعضاء الكونغرس واصلوا استجوابه بشأن الكيفية التي يعتزم بها إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف.

وأوضح وارش أن قراءة التضخم في يونيو جاءت أفضل من المتوقع، لكنها لا تزال بعيدة عن تحقيق الهدف النهائي.

وقال: لن أقف هنا وأقول إن المهمة قد أُنجزت، مضيفًا: ما زال أمامنا الكثير من العمل.

ورأت كاثي بوستيانسيتش، كبيرة الاقتصاديين لدى نيشن وايد، أن النبرة العامة لتصريحات وارش تعكس ميلًا واضحًا نحو التشدد في السياسة النقدية، مشيرة إلى أن تعليقاته توحي بأنه قد يدعم رفع أسعار الفائدة في مرحلة ما إذا ظل التضخم مرتفعًا بصورة مستمرة.

خطة لإعادة هيكلة الاحتياطي الفيدرالي

استغل وارش جلسة الاستماع أيضًا للكشف عن رؤيته الأوسع لإحداث تغييرات داخل الاحتياطي الفيدرالي، متعهدًا بإجراء ما وصفه بـتغيير في النهج عبر تشكيل 5 فرق عمل جديدة لمراجعة وربما إصلاح الجوانب الرئيسية في آلية صنع السياسة النقدية.

وأكد في الوقت نفسه التزامه بالحفاظ على استقلالية البنك المركزي، مشددًا على أنه سيبقي السياسة بعيدة عن الاعتبارات الحزبية ولن يتردد في اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية لحماية الاقتصاد.

واختتم وارش تصريحاته قائلاً: مهمتنا، وهذا هو التزامي أمامكم، أن نحول الأسعار العالقة عند مستويات مرتفعة إلى أسعار مستقرة من جديد.