لعقود كانت الصين تعمل بصمت بهدف سحب البساط رويداً رويداً من تحت أقدام الدولار الأمريكي المهين على النظام المالي العالمي، وتأمل اليوم أن يتمكن اليوان الرقمي من اكتساب المزيد من الأرض في كيفية إنفاق المستهلكين أموالهم، ويحقق هدفها في كسر قبضة العملة الأمريكية

 

وتأكيدا على هذا السياق أعلنت شركة التجارة الإلكترونية الصينية جي دي.كوم أنها أصبحت أول منصة عبر الإنترنت تقبل العملة الرقمية للبلاد ، مما يفتح الطريق أمام العديد من مواقع التسوق الإلكتروني في الصين لقبول اليوان الرقمي , حيث أيضا أعلنت جي دي ديجيتس الذراع المالي لثاني أكبر شركة تجارة إلكترونية في الصين أنه سيكون هناك 20 مليون يوان (3 ملايين دولار) متاحة عن طريق اليانصيب حيث ستطلق 100 ألف قسيمة رقمية

 

ليست هذه هي المرة الأولى التي توزع فيها الصين مبلغًا كبيرًا من عملتها الرقمية في إطار حملتها الترويجية والتجريبية لإطلاق أول عملة رقمية ذات سيادة، حيث قامت في أكتوبر الماضي بتوزيع ما مجموعه 10 ملايين يوان على المواطنين، هذا وأشار بنك الشعب الصيني في الشهر الماضي أنه تم إجراء 4 ملايين معاملة مالية باستخدام اليوان الرقمي تبلغ قيمتها ملياري يوان (300 مليون دولار)

 

إذن هناك تسارع لانتشار استخدام اليوان الرقمي فعليا وأصبح البنك المركزي الصيني الأكثر تقدمًا في طرح عملة رقمية مقارنة بالبنوك المركزية الكبرى الأخرى والتي لا تزال في إطار التخطيط ووضع التصورات لطرح عملاتها الرقمية

 

وهذا يقودنا إلى سؤال حول طبيعة اليوان الرقمي؟ في البداية هي عملة رقمية بدأت الصين العمل عليها منذ عام 2014، لكنها لم تعلن سوى عن تفاصيل قليلة جداً عنها حتى العام الماضي، حينما شعر البنك الصيني ومعه البنوك المركزية الكبرى باحتمالية تقييد سيطرتها على تدفقات الأموال، مع الزخم الكبير الذي لاقته العملات المشفرة مثل البيتكوين

 

وعلى العكس العملات المشفرة والتي تتسم باللامركزية، يتحكم البنك المركزي الصيني في اليوان الرقمي ويصدره مما قد يمنح استقراراً أكثر للنظام المالي وسيطرة تمنح المركزي الصيني رؤية أكبر لكيفية تدفق الأموال حول الاقتصاد الصيني  وبالتالي تتبع أي عمليات غير مشروعة

 

ويتوقع جولدمان ساكس أن يشكل اليوان الرقمي 15% من إجمالي مدفوعات الاستهلاك خلال 10 سنوات، مما يساعد البنوك التجارية على اكتساب المزيد من الأرض من شركات التكنولوجيا المالية

 

وإذا كانت هذه أهداف الصين من طرح العملة الرقمية محلياً، فإن ثاني أكبر اقتصاد حول العالم لديه هدف طويل الأمد يتمثل في الانتشار الواسع لعملتها دولياً وإنهاء هيمنة الدولار على الساحة العالمية، وقد يساعد اليوان الرقمي في هذه الخطوة حيث يسهل تشجيع المستخدمين في البلدان الأخرى على استخدام اليوان في المدفوعات عبر الحدود، وهو فعليا قد يمكن للعملة الصينية من تغيير قواعد اللعبة وتقليل هيمنة نظيرتها الأمريكية؟

 

وتهدف الصين على إنشاء نظام رقمي بعملتها المحلية يمكن أن يكون بعيدًا عن متناول السلطات الأمريكية، مما يعني أن العقوبات المالية الأمريكية لن يكون لها تأثير يذكر، لأنه إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركة أو فرد، فإنها تعزلهم فعليًا عن النظام المالي العالمي.

 

في الواقع، لا يزال أمام اليوان طريقاً طويلاً للوصول إلى الدولار الذي يتربع على عرش العملات حول العالم، حيث تمثل العملة الصينية ما يزيد قليلاً عن 4% من المعاملات الدولية، وفقًا لبنك التسويات الدولية، بينما يشكل الدولار الأمريكي 88%، كما يوضح الرسم البياني التالي:-

 

رغم الخطط الطموحة للصين في زيادة تأثير اليوان على المسرح الدولي , تبقى رغبة الحزب الشيوعي الصيني الحاكم في السيطرة على نظامه المالي هي العقبة الكبيرة أمام إنشاء أي عملة يمكن أن تصبح عالمية حقًا , حيث يشكك المحللون فيما إذا كان اليوان الرقمي يمكن أن يكتسب الزخم الذي تأمل بكين في تحقيقه.

 

كما أنه من المتوقع أن يواجه اليوان الرقمي مقاومة سياسية من الولايات المتحدة، وقد تضطر في النهاية إلى إنشاء عملة رقمية خاصة بها، في الوقت الذي يتجه الاتحاد الأوروبي أيضاً نحو اليورو الرقمي لحماية مصالحه الخاصة، بالإضافة إلى دول عدة على سوف تتخذ نفس الطريق في ظل التحول الرقمي عالمياً.

من ناحية أخرى، من المحتمل أن يكتسب اليوان الرقمي زخمًا في الدول المدمجة بقوة مع الصين، لا سيما في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، التي سترى العديد من الدول فيها فرصة التنويع من الدولار الأمريكي في حد ذاته تطور إيجابي.

 

أخيراً، الصين تقترب من خط النهاية بالفعل في إصدار اليوان الرقمي بعد سنينن من التجارب ، بينما فشل الغرب حتى الآن في التوصل إلى أي مخطط مماثل خاص به، فهل يعطي تقدم الصين في هذه الثورة الرقمية القدرة على مناطحة الدولار الأمريكي وإعادة كتابة قواعد النظام المالي العالمي؟